السيد محمدحسين الطباطبائي

118

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

قوله : قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ، « 1 » وقوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً . . . إلى آخر الآيات ؛ ومثله ما في ذيل الآيات في سورة طه من قضيّة تفريق الهابطين فريقين ، فافهم . وسيأتي في قوله سبحانه : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ « 2 » أنّ إسجاد الملائكة لآدم إنّما كان بما أنّه خليفة أرضيّ ، فكان المسجود له هو آدم ، وحكم السجدة لجميع البشر ، فمنزلته من بين البشر - في سجدة الملائكة - منزلة الكعبة من بين الجهات ؛ وقد قال سبحانه : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، ) « 3 » وقال : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . « 4 » وبالجملة ، فيشبه أن تكون هذه القضيّة التي حكاها سبحانه - من إسكان آدم وزوجته الجنّة ، ثمّ إهباطهما للأكل من الشجرة - كالمثل يمثّل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة والحبور والسرور ، بسكونة حظيرة القدس ، ومنزل الرفعة والقرب ، ودار نعمة وسرور ونور وأنس ، لا شقاء ولا ظلمة ولا وحشة فيها ، مع رفقاء طاهرين وأخلّاء روحانيّين ، وبجوار ربّ العالمين ، ثمّ إنّه يختار بدله كلّ تعب وألم ومكروه ، بالميل إلى حياة فانية وجيفة منتنة دانية ، ثمّ إنّه لو رجع إلى ربّه وأناب إليه ، أعاده إلى دار كرامته وسعادته ، ولو لم يرجع وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه ، فقد بدّل نعمة اللّه كفرا وأحلّ نفسه دار البوار ، جهنّم يصلاها وبئس القرار .

--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 25 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 11 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 115 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 144 .